علي بن أحمد المهائمي

348

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

يكن شهيدا لما ذكرناه فما هو المراد بهذه الآية . فهؤلاء هم الّذين قال اللّه تعالى فيهم : إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا [ البقرة : 166 ] ، والرّسل لا يتبرّءون من أتباعهم الّذين اتّبعوهم ، فحقّق يا وليّي ما ذكرته لك في هذه الحكمة القلبيّة ، وأمّا اختصاصها بشعيب لما فيها من التّشعيب أي : شعبها لا تنحصر ؛ لأنّ كلّ اعتقاد شعبة ، فهي شعب كلّها ، أعني الاعتقادات ] . ثم أشار إلى بيان من أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ؛ فقال : ( وأما أهل الإيمان ) بطريق الصوفية ؛ فهم المرادون بقوله : « أو ألقي السمع » ، حذف الخبر بقرينة ما بعده ( وهم المقلدة ) لقصورهم عن بلوغ حد المشاهدة ولم يقتصروا ، وأعلى تقليد الصوفية على خلاف الشرع ، بل هم ( الذين قلدوا الأنبياء والرسل عليهم السلام ) الذين قولهم أقوى من دلائل أرباب النظر ؛ لأن لهم دلائل عقلية نافية عن شوائب الوهم والخيال مؤيدة بالمعجزات ، ودلائل أرباب النظر ليست كذلك . فلذا قال : ( لا من قلد أصحاب الأفكار ) المتعارضة وإن كانوا من المتباركين الأخيار مع أن ظواهرها قريبة لتأويلات أهل الكشف مؤيدة بالدلائل أيضا ، نافية عن شوائب الأوهام والخيالات ، ( بحملها على ) مقتضى ( أدلتهم العقلية ) ، وإن كانت لا تخلوا عن شوائب الأوهام والخيالات ، فيئولون حديث التحول في الصور بظهور الملك بإذن اللّه ببعض تلك الصور من غير حاجة إلى ذلك ، إذ التنزيه في الذات لا ينافي الظهور بالصور المختلفة ، كما أنا نعلم أن جبريل ليس على صورة دحية في نفسه ، وقد ظهر بها في بعض الأوقات . ( فهؤلاء الذين قلدوا الرسل عليهم السلام ) في أقوالهم الصوفية ؛ فلم يتأولوا حديث التحول في الصور يوم القيامة وآيات التشبيه ، وإخباره بالتأويلات البعيدة عن ظواهرها ( هم المرادون بقوله تعالى : أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ ) من يغر بتأويل بعيد ( لما وردت به الأخبار الإلهية على ألسنة الرسل عليهم السلام ) سواء رفعوها إلى اللّه تعالى إذ لا يلقون إلى العوام الذين لا يطلعون على التأويلات البعيدة ما يضلونهم به عن الحق الضلال البعيد . ثم أشار إلى أن معنى قوله عزّ وجل : وَهُوَ شَهِيدٌ هو استحضار الحق بصورة متخيلة ، وهو ولما توهم رجوعه إلى صاحب القلب لكونه المشاهد بالحقيقة ، وهو مخل لورود النص في حق ملقي السمع ، ( وهو ) مقلد ليس بصاحب مشاهدة حقيقية ، فسّره بقوله : ( يعني هذا الذي ألقى السمع شهيد ) ، لم يرد به المشاهدة الحقيقة لاختصاصها بصاحب القلب ، بل ( ينبه على ) مشاهدة ( حضرة الخيال ) ، وهي استحضارها للحق بصورة متخيلة ، وعلى ( استعمالها ) أي : طلب العمل من هذه الحضرة أي : جواز ذلك لئلا يعجز العامي عن